رسول الله

حين تصمتُ الضمائر.. مَن يملكُ الميزان؟ القصةُ المنسيةُ لعدالةِ الأنبياءِ التي لا تعرفُ المصالح.

حين تصمتُ الضمائر.. مَن يملكُ الميزان؟ القصةُ المنسيةُ لعدالةِ الأنبياءِ التي لا تعرفُ المصالح. ما الذي يحدث حين يصبح دم الطفل “خبرًا عابرًا”؟ حين تُنتشل الأجسا...

23 1.5k 62
2026-06-17

حين تصمتُ الضمائر.. مَن يملكُ الميزان؟ القصةُ المنسيةُ لعدالةِ الأنبياءِ التي لا تعرفُ المصالح.

ما الذي يحدث حين يصبح دم الطفل “خبرًا عابرًا”؟

حين تُنتشل الأجساد الصغيرة من تحت الركام، ثم يكمل العالم يومه بشكل طبيعي؟

حين تبكي أم فقدت أبناءها جميعًا، بينما تُناقَش المأساة بلغة المصالح والسياسة والأرقام؟

هنا يسقط القناع الحقيقي للحضارة الحديثة.

لأن العالم الذي يتغنى كل يوم:

* بحقوق الإنسان

* والعدالة

* والحرية

وقف مرات كثيرة عاجزًا، أو صامتًا، أو متواطئًا أمام مشاهد يُذبح فيها الأبرياء بدم بارد.

أطفال.

نساء.

شيوخ.

أناس لم يحملوا سلاحًا أصلًا.

وهنا يظهر السؤال الذي يطارد الضمير الإنساني: إذا كانت العدالة تُدفن حين تتعارض مع القوة، فمن الذي يملك ميزان الحق الحقيقي؟

ومن هنا نفهم لماذا كانت رسالة الأنبياء أعظم ضرورة عرفتها البشرية.

________________

الأنبياء لم يصنعوا عدالة “مصلحية”… بل عدالة مرتبطة بالسماء

البشر غالبًا يعدلون ما دام العدل لا يهدد مصالحهم.

لكن حين تتعارض:

* القوة مع الحق

* والسياسة مع الرحمة

* والمكاسب مع المبادئ

ينهار كثير من الشعارات سريعًا.

أما الأنبياء فلم يبنوا العدالة على المزاج البشري، بل على أمرٍ من الله.

ولهذا كانت قيمة الإنسان محفوظة لأنه “إنسان”، لا لأنه قوي أو ينتمي للطرف المنتصر.

قال الله تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾— [ المائدة: 32]

تأمل عظمة الميزان: روح واحدة بريئة تُقتل، كأن العالم كله قُتل.

أي عدالة أرضية وصلت إلى هذا المستوى من تعظيم الدم البشري؟

________________

ولهذا كان الأنبياء أول مَن حاربوا فكرة “الدم الرخيص”

في عالمٍ اعتاد أن يرى الضعفاء مجرد أرقام، جاءت الرسالات لتعلن أن حياة الإنسان ليست سلعة.

النبي ﷺ لم يسمح حتى في الحروب أن يتحول الظلم إلى شيء عادي.

مرّ النبي ﷺ على امرأة مقتولة في إحدى الغزوات، فأنكر ذلك، ونهى عن قتل:

* النساء

* والأطفال

* والشيوخ

* والرهبان

وكل مَن لا يشارك في القتال.

في زمنٍ كانت فيه الجيوش تُبيد المدن بلا رحمة، كان النبي ﷺ يضع حدودًا أخلاقية صارمة حتى في أشد لحظات الصراع.

________________

الرسالات جاءت لتحمي الإنسان… لا لتبرر سحقه

المشكلة الكبرى في العالم ليست فقط وجود الظالم، بل وجود مَن يبرر له.

ولهذا كثير من الجرائم الكبرى في التاريخ حدثت تحت عناوين:

* الأمن

* الحضارة

* المصلحة

* أو الدفاع عن النفس

لكن الأنبياء كانوا دائمًا يقفون في الجهة الأخرى: جهة الإنسان المكسور والمظلوم.

قال النبي ﷺ: “انصُرْ أخاك ظالِمًا أو مَظلومًا.

فقال رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ، أنصُرُه إذا كان مَظلومًا، أفَرَأيتَ إذا كان ظالِمًا، كيفَ أنصُرُه؟

قال: تَحجُزُه -أو تَمنَعُه- مِنَ الظُّلمِ؛ فإنَّ ذلك نَصرُه.”

وذلك لأن الرسالات لم تكن منحازة لقبيلة أو عِرق، بل منحازة للحق نفسه… دومًا.

ولم تكن هذه العدالة مجرد كلمات تُقال وقت الخطب، بل كانت مبدأً يُطبَّق حتى لو تعارض مع العاطفة أو المكانة أو أقرب الناس إلى النبي ﷺ نفسه.

حين سرقت المرأة المخزومية، اضطربت قريش كلها، ليس لأن السرقة حدثت… بل لأن السارقة من عائلة شريفة ذات مكانة كبيرة.

فبدأوا يبحثون عمّن يكلّم النبي ﷺ حتى تُخفف العقوبة عنها، ولم يجدوا أحدًا يجرؤ على ذلك سوى أسامة بن زيد رضي الله عنه، لأنه كان من أحب الناس إلى قلب النبي ﷺ.

لكن الصدمة كانت في رد النبي ﷺ.

فقد غضب غضبًا شديدًا وقال:

“أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟”

ثم وقف أمام الناس جميعًا ليعلن قاعدة العدالة التي لا تنهار أمام النفوذ ولا القرابة ولا المكانة الاجتماعية، وقال:

“إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد…”

ثم قال كلمته التي هزّت كل معاني المحاباة في التاريخ:

“وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”

في عالمٍ يهرب فيه الأقوياء دائمًا من العقوبة جاءت الرسالات لتقول: لا أحد يعلو الحق إلا الحق سبحانه وتعالى.

________________

حين تغيب الرسالات… يصبح القوي هو الذي يكتب معنى العدالة

وهذا ما يتكرر كثيرًا في عالمنا اليوم.

الدولة القوية قد تقتل، ثم يُسمى القتل “دفاعًا”.

والضعيف قد يُقتل بصمت، ثم يُنسى عند الناس كأنه لم يكن.

وهنا تظهر الكارثة الحقيقية: حين تصبح الحقيقة نفسها خاضعة للقوة الإعلامية والسياسية.

أما الأنبياء، فقد كسروا هذه القاعدة تمامًا.

كانوا يقولون للطغاة:

* أنتم لستم آلهة

* والقوة لا تصنع الحق

* والضعيف له حق عند الله لا يسقط

* وكل قطرة دم سيُسأل عنها صاحبها

قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾— [ إبراهيم: 42]

هذه الآية وحدها كانت وما زالت عزاءً للمظلومين عبر القرون.

________________

حتى في أشد لحظات الألم، لم يسمح الإسلام بنزع إنسانية الناس

النبي ﷺ لم يعلّم أصحابه فقط كيف ينتصرون، بل كيف يبقون بشرًا أثناء الصراع.

ولهذا نهى عن:

* الغدر

* والتمثيل بالجثث

* وقتل الأبرياء

* والخيانة

* وتخريب ما لا ضرورة له

مرَّ الصحابي الجليل هشام بن حكيم بن حزام على مجموعة من الناس من الأنباط في بلاد الشام، وكانوا واقفين تحت الشمس الحارّة كنوع من العقوبة؛ لأنهم تأخروا في دفع الجزية.

فلما رآهم، استنكر هذا الفعل جدًا، وقال إنه سمع النبي ﷺ يقول:

" إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الذينَ يُعَذِّبونَ النَّاسَ في الدُّنيا. ”

ومعنى كلام النبي ﷺ:

أن الشخص الذي يظلم الناس، أو يؤذيهم، أو يعذبهم بغير حق، أو يستعمل سلطته في إذلالهم وإهانتهم، فإن الله سبحانه يعاقبه يوم القيامة.

تأمل الفرق الهائل: في الوقت الذي يرى فيه بعض البشر أن القوة تعطيهم الحق في سحق كل شيء، كان الإسلام يربط التعامل مع الناس برقابة الله نفسها.

________________

الأنبياء أعادوا تعريف قيمة الإنسان

العالم كثيرًا ما يقسّم البشر بحسب:

* الجنسية

* اللون

* النفوذ

* أو المصلحة

أما الأنبياء فقد أعادوا الإنسان إلى أصله الحقيقي: روح خلقها الله وكرمها.

قال تعالى:﴿ ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾— [ الإسراء: 70]

لم يقل:

* كرمنا الأغنياء

* أو الأقوياء

* أو أصحاب النفوذ

بل:

بني آدم، أي أن الكرامة أصل منحه الله للإنسان.

________________

ولهذا بقيت الرسالات هي الحارس الأول للضمير الإنساني

كلما تحولت الأرض إلى مكان يبرر القتل، عاد صوت الأنبياء يذكّر الناس:

* أن الله يرى

* وأن الظلم ليس بطولة

* وأن دم الأبرياء ليس رقمًا

* وأن العدالة ليست لعبة سياسية

ولهذا كان الأنبياء دائمًا خطرًا على كل منظومة تريد تحويل البشر إلى أشياء قابلة للسحق.

________________

العدالة الحقيقية لا تموت بموت المظلوم

قد يموت المظلوم في الدنيا، وقد لا يرى القصاص بعينيه.

لكن الرسالات جاءت لتقول إن القصة لم تنتهِ.

قال النبي ﷺ: “لتؤدُّنَّ الحُقوقُ إلى أَهلِها يومَ القيامةِ ، حتَّى يُقتَصُّ للشَّاةِ الجَمَّاءِ ، مِنَ الشَّاةِ القَرناءِ بِنَطحِها”

وقال تعالى:﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾—[سورة الفجر: 14]

أي أن كل:

* صرخة

* ودمعة

* ودم

* وظلم

محفوظ عند الله بدقة لا تضيع.

ولهذا لم تكن العدالة في مفهوم الأنبياء مرتبطة فقط بمحاكم الأرض، بل بعدالة السماء التي لا يهرب منها أحد.

________________

الخاتمة

حين ترى عالمًا يصمت أمام قتل الأطفال، أو يبرر سحق الأبرياء، أو يزن الدماء بميزان المصالح، فأنت لا ترى فشل القوانين الوضعية للعالم الحديث فقط.

بل ترى ماذا يحدث حين يبتعد الإنسان عن نور الرسالات.

ولهذا لم يكن الأنبياء مجرد رجال دين في التاريخ، بل كانوا:

* الحصن الأخير لكرامة الإنسان

* والصوت الذي يواجه الطغيان مهما بلغ

* والميزان الذي لا يبيع الحق للقوة

* والشراع الذي يمنع البشرية من الغرق الكامل في وحشية الظلم

لأن العالم بدون عدالة الأنبياء، قد يتحول بسهولة إلى مكان يُقتل فيه الأبرياء، ثم ينام الجميع بسلام.

شارك المقال

نسخ الرابط