الكلمة التي أحيت الأموات بأمر الخالق.. عيسى
عيسى ﷺ… حين تكلَّمتِ البراءةُ في وجهِ العالم
تخيَّل هذا المشهد… ثم حاول أن تفسِّره فتاةٌ عابدة، طاهرة، لم يعرف الناس عنها إلا العبادة والطمأنينة والنقاء. تعتزل الناس، ثم تعود إلى قومها تحمل طفلًا بين ذراعيها. لا زوج، لا تفسير، لا كلمات يمكنها أن توقف الصدمة. الوجوه متجمدة، العيون تمتلئ بالاتهام، والأسئلة تتحول إلى طعنات.
في لحظة واحدة، تحولت المرأة التي كانت مثال الطهر إلى حديث الناس كلهم، ثم يحدث ما لم يحدث في تاريخ البشر. الرضيع نفسه… يتكلم.
ليس ليبرئ أمه فقط، بل ليعلن الحقيقة التي سيحاربه عليها الملايين:﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾— [ مريم: 30] كانت أول جملة نطق بها عيسى ﷺ، ليست إعلان قوة، ولا إعلان ألوهية، بل إعلان عبودية لله. ومن هنا… تبدأ واحدة من أكثر القصص تأثيرًا وإثارةً للجدل في تاريخ الإنسانية كلها.
امرأةٌ نذرت ما في بطنها لله... ولم تكن تعلم أن الله يهيئ آيةً للعالمين قبل أن يولد عيسى عليه السلام بسنوات، بدأت القصة بدعاء امرأة. لم تكن ملكة، ولا صاحبة نفوذ، ولا تعلم أن اسمها سيبقى مذكورًا إلى قيام الساعة.
“لكن مريم لم تدافع عن نفسها، ولم تدخل في جدال، بل فعلت ما أمرها الله به، وأشارت إلى الطفل. فازداد تعجبهم قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)﴾—[مريم: 29] وهنا وقعت المعجزة، تكلم الرضيع، لكن تأمل أول جملة نطق بها، لم يتحدث عن معجزته، ولم يبدأ بإثبات براءة أمه.
بل بدأ بأعظم حقيقة في رسالته كلها﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)﴾ [مريم: 30] كانت هذه أول كلمة ينطق بها عيسى عليه السلام في القرآن، وقبل أن يعرفه الناس نبيًا… عرّف نفسه عبدًا لله. وكأن القرآن يحسم منذ اللحظة الأولى كل تصورٍ قد ينشأ حوله.
ثم قال:﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ أي إن مكانته العظيمة ليست لأنه إله، ولا لأنه ابن إله، وإنما لأنه نبي اصطفاه الله، وأكرمه بالوحي، كما أكرم الأنبياء من قبله.
ثم وصف رسالته فقال:﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)﴾—[مريم: 31-32] لم يتحدث عن مُلك، ولا عن سلطان، بل عن العبادة، والإحسان، والرحمة، وبر الوالدة، والتواضع.
وهكذا قدّم عيسى عليه السلام نفسه للعالم، عبدًا لله، ونبيًا مرسلًا. ورجلًا دعا الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى حياةٍ تقوم على الرحمة والطاعة والخير. ومن اللافت أن أول خطابٍ لعيسى في القرآن لم يترك الناس يتساءلون: من هو؟ بل أجاب بنفسه عن هذا السؤال، قبل أن تبدأ الخلافات التي اختلف الناس فيها بعد ذلك بسنوات طويلة.
فمن أراد أن يعرف عيسى عليه السلام … فليبدأ من أول كلماته:﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.
حين عجزت الأسباب... وأظهرت المعجزات قدرة الله بعث الله عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل، وأيّده بآياتٍ عظيمة لم يألفها الناس.
قال تعالى:﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49)﴾—[آل عمران: 49] لم تكن هذه أعمالًا يمكن تفسيرها بمهارةٍ بشرية، ولا بقدراتٍ خارقة يمتلكها عيسى من نفسه، لقد كانت آياتٍ أظهرها الله على يديه؛ لتكون دليلًا على صدق رسالته.
فكان يبرئ الأكمه، وهو من وُلد فاقدًا للبصر، ويشفي الأبرص، وهو مرض استعصى على الناس، بل ويحيي الموتى بإذن الله. ولم يترك القرآن هذا المعنى ليفهمه القارئ من السياق فقط، بل كرره مرةً بعد مرة.
﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وليس تكرار ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ تكرارًا بلا معنى. بل هو مفتاح فهم القصة كلها، فالقرآن لا ينكر عظمة المعجزة، بل يثبتها بكل وضوح، لكنه في الوقت نفسه يوجّه النظر إلى من أجرى هذه المعجزات.
فالنبي لا يملك القدرة من ذاته، وإنما يكرمه الله بها لتكون آيةً على صدقه، ودعوةً إلى الإيمان برب العالمين. ولهذا لم تكن معجزات عيسى عليه السلام دعوةً إلى تعظيم شخصه، بل دعوةً إلى تعظيم الله الذي أرسله. فكل معجزة كانت تقول للناس بصمت: انظروا إلى قدرة الخالق، لا إلى المخلوق الذي أجراها الله على يديه.
المائدة... حين يزداد اليقين بعد الإيمان بعد أن رأى الحواريون آياتٍ كثيرة على يد عيسى عليه السلام، طلبوا منه آيةً أخرى، لا ليبدأوا الإيمان، بل ليزداد يقينهم.
قال الله تعالى:﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾—[المائدة: 112] فلم يُسارع عيسى إلى الدعاء. بل ذكّرهم أولًا بتقوى الله، لأن الإيمان لا ينبغي أن يبقى معلقًا بطلب الآيات في كل مرة.
فبينوا له مقصدهم، وقالوا:﴿ قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾—[المائدة: 113] كانوا يطلبون طمأنينةً تزيد الإيمان رسوخًا، لا دليلًا بعد إنكار، فدعا عيسى ربه دعاءً مليئًا بالتضرع، فقال:﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾— [المائدة: 114] فاستجاب الله لهم، لكن جاءت الاستجابة مقرونةً بتحذير عظيم.
قال تعالى:﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾—[المائدة: 115] وهنا يقرر القرآن مبدأً عظيمًا، فكلما كانت الحجة أوضح، كانت المسؤولية أكبر، وكلما ازداد الإنسان علمًا بالحق، ازداد تكليفه بالاستجابة له.
فالآيات ليست مشاهد تُطلب لإشباع الفضول، بل أمانات، إذا رآها الإنسان ثم أعرض عنها، كانت حجةً عليه لا له. وهكذا، ختمت قصة المائدة بتذكيرٍ أن أعظم ما يطلبه الإنسان ليس كثرة المعجزات، بل قلبًا إذا عرف الحق، اتبعه.
المؤامرة التي انتهت برفعه إلى السماء بدأ الخوف من عيسى ﷺ يزداد. الناس تلتف حوله، المعجزات تهز القلوب، والحق يفضح فساد الكهنة والمتكبرين. فقرروا التخلص منه. حاصروا المكان. لكن الله لم يترك نبيه.
﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) ﴾—- [سورة النساء] أما عيسى ﷺ… ﴿ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) ﴾— [سورة النساء] رفع الله نبيه بروحه وجسده، ليظل حيًّا حتى يأذن الله بنزوله في آخر الزمان كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.
قال النبي ﷺ: « والَّذي نفسي بيدِه ليوشِكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حَكمًا مقسطًا فيَكسرُ الصَّليبَ ويقتلُ الخنزيرَ ويضعُ الجزيةَ ويفيضُ المالُ حتَّى لا يقبلَه أحدٌ » — رواه البخاري ومسلم
القصة التي لم تنتهِ… لأنها تمسُّ سؤال الإنسان الأكبر قصة عيسى ﷺ ليست مجرد قصة معجزات.
بل قصة الإنسان حين يبحث عن الحقيقة بين طرفين: من كذّب نبيَّ الله واتهمه بالسحر ومن غلا فيه حتى رفعه فوق مقام البشر أما الحقيقة التي يقررها القرآن والعقل بوضوح فهي: ﴿﴿ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾— [ المائدة: 75] رسول… لكن ليس رسولًا عاديًا.
وُلد بمعجزة... وتكلم في المهد… وأحيا الموتى بإذن الله... ورُفع إلى السماء... وسيعود في آخر الزمان. ومع كل هذه المعجزات… ظل يقول الحقيقة نفسها:﴿ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾
السؤال الذي تتركه القصة داخلك إذا كان الله قد أعطى إنسانًا كل هذه المعجزات… ثم بقي هذا الإنسان عبدًا خاضعًا لله… فلماذا يظن البشر اليوم أن القوة أو الشهرة أو العلم تجعلهم أكبر من حقيقتهم؟ ربما لهذا تبقى قصة عيسى ﷺ واحدة من أكثر القصص تأثيرًا في قلب الإنسان… لأنها تذكّره أن أعظم الناس… هم أكثرهم عبودية لله.