بل رآها قومًا ضلوا الطريق إلى الله، وهنا يظهر الفرق بين النبي والملك.
فالملك قد يرى في هذه الأخبار فرصةً لتوسيع سلطانه، أما النبي، فيرى فيها مسؤوليةً للهداية.
ولهذا لم يكن أول قرار اتخذه تجهيز الجيوش، بل البحث عن الطريق الذي يوصلهم إلى الحق.
حين تتحول القوة إلى هداية... لا إلى استعراض
قال تعالى:﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾—[النمل: 30-31]
رسالة قصيرة، لكنها تكشف الكثير، بدأها باسم الله، لا باسمه، فلم يجعل نفسه محور الدعوة، وإنما جعل الله هو البداية.
ثم دعاهم إلى ترك الكبر والخضوع للحق، لا إلى الخضوع لشخصه.
فغاية سليمان لم تكن أن يضم أرضًا جديدة إلى ملكه، وإنما أن يهدي قومًا إلى عبادة الله وحده.
أما ملكة سبأ، فقد تعاملت بمنطق الملوك، ظنت أن الهدايا قد تُنهي الموقف، أو تغيّر القرار، أو تكشف حقيقة هذا الملك.
فأرسلت إليه هدية عظيمة، لكن رد سليمان كشف أن ما يحركه ليس الطمع، ولا حب الثراء.
قال تعالى:﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾—[النمل: 36]
لم يقل: عندي مال أكثر، بل قال:﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾.
فنسب كل ما يملكه إلى الله، لا إلى نفسه، ثم أوضح أن القضية ليست قضية أموال أو هدايا.
فمن كانت غايته الدنيا، قد يشتريه المال، أما من كانت غايته الحق، فلا تغيّر الهدايا موقفه.
وهنا يتجلى سرٌّ عظيم في شخصية سليمان عليه السلام، لقد ملك من الدنيا ما لم يملكه غيره.
ومع ذلك، لم تصبح الدنيا هي التي تملكه، بل كان المال في يده، لا في قلبه.
وكانت القوة وسيلةً لإقامة الحق، لا أداةً لجمع المكاسب.
ولهذا لم تكن عظمة سليمان في كثرة ما امتلك، بل في أنه ظل يرى كل ما بين يديه وسيلةً تقرّب الناس إلى الله، لا غايةً يتفاخر بها أمامهم.
حين تعجز المسافات... أمام قدرة الله
بعد أن تبيّن أن المال لن يغيّر موقف سليمان عليه السلام، أدركت ملكة سبأ أن عليها أن تأتي بنفسها.
لكن قبل وصولها، أراد سليمان أن يهيئ لها مفاجأة لم تخطر ببالها.
قال تعالى:﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾—[النمل: 38]
بدأت العروض، قال عفريت من الجن:﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾—[النمل: 39]
إنجازٌ هائل بمقاييس البشر.
لكن القرآن يذكر عرضًا أعجب منه، ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾—[النمل: 40]
وفي لحظة… كان العرش حاضرًا أمام سليمان.
ولو كان المقصود استعراض القوة، لانتهى المشهد هنا، لكن أول كلمة خرجت من سليمان تكشف أن قلبه كان في مكان آخر:﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾
لم يقل: انظروا إلى ملكي.
ولم يقل: هذه قدرتي، بل نسب الأمر كله إلى الله.
ثم قال ما هو أعجب:﴿لِيَبْلُوَنِي﴾
أي أن هذه القدرة ليست وسامًا على صدره، بل امتحانًا لقلبه، وهنا يختلف المنظور القرآني عن النظرة المعتادة للقوة.
فالناس يرون النعمة نجاحًا.
أما الأنبياء، فيرونها مسؤولية.
ويرون أن السؤال ليس: كم تملك؟
بل: كيف ستستخدم ما تملك؟ ولمن تنسب الفضل؟
حين تبدأ الحقيقة... بسؤال
قبل أن تصل ملكة سبأ، أمر سليمان أن يُؤتى بعرشها، ثم:﴿ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾—[ النمل: 41]
لماذا لم يترك العرش كما هو؟، ولماذا لم يُخفه تمامًا؟
لأن المقصود لم يكن إبهارها، بل إيقاظ عقلها، فقد أراد أن يدفعها إلى التفكير، لا إلى الانبهار.
فلما دخلت، قيل لها:﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾–[النمل: 42]
ولم يقل :"أهذا عرشك؟"، بل:﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾.
سؤال يترك لها مساحةً للتأمل، فلا يفرض عليها الجواب، ولا يحرجها أمام قومها.
فتوقفت، ثم قالت:﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾
لم تُنكر، ولم تُسلم مباشرة، بل أجابت بصدقٍ يعكس ما تراه أمامها.