أعظم عرش عرفته البشرية..سليمان

علم الذي عنده ليس علمًا ذاتيًا، وإنما هو فضلٌ من الله، ولذلك لم يستنكف أن يتعلم شيئًا لم يكن يعلمه. فالإنسان، مهما بلغ من العلم أو السلطة، سيبقى علمه محدودًا، أما العلم الكامل، فهو لله وحده، ولهذا فإن قوة سليمان لم تكن في أن أحدًا لا يصححه. بل في أنه كان منصفًا بما يكفي ليسمع، وحكيمًا بما يكفي ليتحقق، وعادلًا بما يكفي ليحكم بالدليل.

وهنا يظهر الفرق بين السلطة والعدل، فالسلطة قد ترى كل سؤال تهديدًا. أما العدل، فلا يخشى الحقيقة، لأن غايته ليست حماية مكانته… بل الوصول إلى الصواب.

01

حين يرى الملك... أصل المشكلة عاد الهدهد بخبر لم يكن مجرد خبرٍ عادي، بل كشف خللًا أعمق.

02

قال:﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)﴾ [النمل: 23-24] لم يبدأ الهدهد بوصف دينهم، بل وصف أولًا ما يملكون، ملكة قوية، ومملكة مستقرة، وعرش عظيم.

03

أي إنهم كانوا يملكون كثيرًا من أسباب النجاح الدنيوي، لكن الهدهد أدرك أن المشكلة الحقيقية لم تكن في القوة، ولا في الاقتصاد، ولا في الحضارة. بل كانت في الوجهة. فمع كل هذا التقدم، كانوا يصرفون أعظم عبادة لغير خالقهم، ولذلك لم ينظر سليمان إلى سبأ باعتبارها مملكةً ينبغي أن تُضم إلى نفوذه.

بل رآها قومًا ضلوا الطريق إلى الله، وهنا يظهر الفرق بين النبي والملك. فالملك قد يرى في هذه الأخبار فرصةً لتوسيع سلطانه، أما النبي، فيرى فيها مسؤوليةً للهداية. ولهذا لم يكن أول قرار اتخذه تجهيز الجيوش، بل البحث عن الطريق الذي يوصلهم إلى الحق.

حين تتحول القوة إلى هداية... لا إلى استعراض قال تعالى:﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾—[النمل: 30-31] رسالة قصيرة، لكنها تكشف الكثير، بدأها باسم الله، لا باسمه، فلم يجعل نفسه محور الدعوة، وإنما جعل الله هو البداية.

ثم دعاهم إلى ترك الكبر والخضوع للحق، لا إلى الخضوع لشخصه. فغاية سليمان لم تكن أن يضم أرضًا جديدة إلى ملكه، وإنما أن يهدي قومًا إلى عبادة الله وحده. أما ملكة سبأ، فقد تعاملت بمنطق الملوك، ظنت أن الهدايا قد تُنهي الموقف، أو تغيّر القرار، أو تكشف حقيقة هذا الملك. فأرسلت إليه هدية عظيمة، لكن رد سليمان كشف أن ما يحركه ليس الطمع، ولا حب الثراء.

قال تعالى:﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾—[النمل: 36] لم يقل: عندي مال أكثر، بل قال:﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾. فنسب كل ما يملكه إلى الله، لا إلى نفسه، ثم أوضح أن القضية ليست قضية أموال أو هدايا.

فمن كانت غايته الدنيا، قد يشتريه المال، أما من كانت غايته الحق، فلا تغيّر الهدايا موقفه. وهنا يتجلى سرٌّ عظيم في شخصية سليمان عليه السلام، لقد ملك من الدنيا ما لم يملكه غيره. ومع ذلك، لم تصبح الدنيا هي التي تملكه، بل كان المال في يده، لا في قلبه. وكانت القوة وسيلةً لإقامة الحق، لا أداةً لجمع المكاسب.

ولهذا لم تكن عظمة سليمان في كثرة ما امتلك، بل في أنه ظل يرى كل ما بين يديه وسيلةً تقرّب الناس إلى الله، لا غايةً يتفاخر بها أمامهم.

حين تعجز المسافات... أمام قدرة الله بعد أن تبيّن أن المال لن يغيّر موقف سليمان عليه السلام، أدركت ملكة سبأ أن عليها أن تأتي بنفسها. لكن قبل وصولها، أراد سليمان أن يهيئ لها مفاجأة لم تخطر ببالها.

قال تعالى:﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾—[النمل: 38] بدأت العروض، قال عفريت من الجن:﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾—[النمل: 39] إنجازٌ هائل بمقاييس البشر.

لكن القرآن يذكر عرضًا أعجب منه، ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾—[النمل: 40] وفي لحظة… كان العرش حاضرًا أمام سليمان.

ولو كان المقصود استعراض القوة، لانتهى المشهد هنا، لكن أول كلمة خرجت من سليمان تكشف أن قلبه كان في مكان آخر:﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ لم يقل: انظروا إلى ملكي. ولم يقل: هذه قدرتي، بل نسب الأمر كله إلى الله.

ثم قال ما هو أعجب:﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ أي أن هذه القدرة ليست وسامًا على صدره، بل امتحانًا لقلبه، وهنا يختلف المنظور القرآني عن النظرة المعتادة للقوة. فالناس يرون النعمة نجاحًا. أما الأنبياء، فيرونها مسؤولية. ويرون أن السؤال ليس: كم تملك؟ بل: كيف ستستخدم ما تملك؟ ولمن تنسب الفضل؟

حين تبدأ الحقيقة... بسؤال قبل أن تصل ملكة سبأ، أمر سليمان أن يُؤتى بعرشها، ثم:﴿ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾—[ النمل: 41] لماذا لم يترك العرش كما هو؟، ولماذا لم يُخفه تمامًا؟ لأن المقصود لم يكن إبهارها، بل إيقاظ عقلها، فقد أراد أن يدفعها إلى التفكير، لا إلى الانبهار.

فلما دخلت، قيل لها:﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾–[النمل: 42] ولم يقل :"أهذا عرشك؟"، بل:﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾. سؤال يترك لها مساحةً للتأمل، فلا يفرض عليها الجواب، ولا يحرجها أمام قومها. فتوقفت، ثم قالت:﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لم تُنكر، ولم تُسلم مباشرة، بل أجابت بصدقٍ يعكس ما تراه أمامها.

وهنا بدأ يقينها القديم يتزعزع، فالعرش الذي تركته في سبأ، وراء البحار والمسافات، يقف الآن أمامها. والأهم من ذلك، أن سليمان لم يستغل هذا المشهد ليتباهى بقوته، بل بيّن أن ما عنده ليس سرًّا شخصيًا، وإنما فضلٌ من الله الواحد الأحد.

ولهذا جاء التعقيب في الآية:﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾— [النمل: 42] فالقضية لم تكن استعراض قدرة، بل دعوةً للعقل أن يسأل: إذا كان هذا الملك قد أُعطي هذه القدرة بإذن الله، فمن هو الله الذي أعطاه إياها؟

الحقيقة لا تُفرَض... بل يختارها القلب وصلت بلقيس ملكة سبأ إلى سليمان، بعدما رأت من الآيات ما جعلها تعيد النظر في كل ما كانت تظنه يقينًا.

ثم جاء المشهد الأخير، قال الله تعالى:﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾ [النمل: 44] كان الصرح شديد الصفاء، حتى ظنته ماءً، فكشفت عن ساقيها لتخوض فيه، فأخبرها سليمان أنه أرضية من زجاج صافٍ. لم يكن المقصود إحراجها، ولا استعراض القدرة.

فقد كانت قد رأت قبل ذلك من دلائل ملك سليمان ما يكفي ليعلمها أن ما عنده ليس ملكًا عاديًا. لكن هذا المشهد كان آخر ما أيقظ قلبًا ظل يبحث عن الحقيقة، وحين اجتمعت أمامها الأدلة، لم تكابر، ولم يمنعها مُلكها، ولا مكانتها، ولا تاريخها، من الاعتراف بأنها كانت على خطأ.

﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾—-[ النمل: 44] لم تقل: أسلمت لسليمان. بل قالت:﴿مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فلم يكن سليمان يدعو الناس إلى نفسه، وإنما كان يقودهم إلى الله الواحد، وهنا تكمن إحدى أعظم رسائل هذه القصة.

فالقوة قد تجعل الناس يغيّرون سلوكهم، لكنها لا تستطيع أن تغيّر قلوبهم، أما الحقيقة، إذا دخلت القلب بعدلٍ وحكمة، فإنها تصنع ما لا تصنعه الجيوش. ولهذا لم تنتهِ قصة سليمان بانتصار ملكٍ على مملكة، بل بانتصار التوحيد على الشرك، وبإنسانٍ اختار أن يعبد خالق السماوات والأرض بعد أن عرفه. وهذا هو الانتصار الذي أراده الأنبياء جميعًا.

اللحظة التي كشفت حقيقة الدنيا... وحقيقة الإنسان وبعد رحلةٍ مليئة بالقوة، والملك، والمعجزات، يأتي المشهد الأخير. لا جيش. ولا عرش. ولا ريح. ولا مواكب. بل رجل يقف متكئًا على عصاه.

قال الله تعالى:﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾—[سبأ: 14] إنها من أكثر النهايات إدهاشًا في القرآن.

فالرجل الذي سخّر الله له الريح، وسخّر له الجن، وأعطاه ملكًا لم يؤته أحدًا من بعده، لم يستطع أن يدفع عن نفسه الموت لحظةً واحدة. ومات كما يموت كل البشر، ثم جاءت حقيقة أخرى، لا تقل عظمة. فالجن الذين كان الناس يظنون أنهم يعلمون الغيب، ظلوا يعملون، ولم يدركوا أن سليمان قد مات، حتى أكلت دابة الأرض عصاه فسقط جسده.

وهكذا هدمت آية واحدة اعتقادًا شائعًا، وأعلنت بوضوح أن علم الغيب ليس لأحد من خلق الله. فلا نبي يملكه من نفسه، ولا مَلَك، ولا جني، إنما هو لله وحده. ولهذا ختمت قصة أعظم ملك عرفه التاريخ بمشهد لا يمدح القوة، بل يضعها في حجمها الحقيقي. فالإنسان، مهما بلغ سلطانه، ومهما امتلك من أسباب القوة، سيبقى عبدًا لله، لا يملك لنفسه حياةً ولا موتًا إلا بإذن خالقه.

وكأن القرآن يريد أن يترك القارئ أمام سؤال واحد: إذا كان سليمان، بكل ما أوتي من ملك، قد انتهت رحلته متكئًا على عصاه… فما الذي يبقى حقًا للإنسان بعد رحيله؟ ليس ما جمعه. ولا ما حكمه. ولا ما ملكه. وإنما إيمانه بالله، وعمله الصالح، والأثر الذي تركه في هداية الناس إلى ربهم الخالق البارئ.

ل