من المحنة إلى سيادة الأرض.. يوسف
قصة يوسف عليه السلام
مِنْ قَاعِ البئر إِلَى عرش مصر: يُوسُف عليه السلام ماذا لو كان الألم الذي سيُغيّرك… جاءك من أقرب الناس؟ ليس أصعب ما في الحياة أن تُظلم، ولا أن تُؤذى. الأصعب أن يأتي الأذى من نفس اليد التي كنتَ تظنّها ستحميك. أن تُؤخذ وأنت مطمئن، ثم تكتشف أن الطريق الذي تسير فيه لم يكن نزهة، بل بداية آلام. طفل… في بيت نبي. محاط بحب، برعاية، وبأمان.
ثم فجأة… يتحوّل كل شيء. تلك النظرات التي لم تكن مفهومة تصبح واضحة. وتلك الكلمات التي لم تكن تُؤخذ بجدية، تتحول إلى قرار. وفي لحظة يجد نفسه، خارج البيت، بل خارج الأمان، وخارج كل شيء. ثم داخل بئر.
1. قبل البئر: حين تبدأ الكراهية من “قلبٍ لم يُعالَج” قبل البئر… لم تبدأ المأساة بإلقاء يوسف عليه السلام في الجب، ولم تبدأ بالمؤامرة، ولا حتى بكلمة "اقتلوا يوسف"، بل بدأت في مكان لا يراه أحد: داخل القلب. كانت البداية رؤيا.
قال الله تعالى:﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾—[يوسف: 4] لم تكن هذه رؤيا عابرة يراها طفل ثم ينساها، وإنما كانت بشارة من الله، ووحيًا من نوع خاص يكرم الله به بعض أنبيائه قبل بعثتهم، تحمل ملامح مستقبل لم يأت بعد.
“وحين طلبا منه تفسير الرؤيا، كان أمام يوسف عليه السلام فرصة ليُظهر علمه، ويكسب مكانة عند السجناء. لكنه رأى في السؤال بابًا أعظم، بابًا إلى هداية القلوب، ولذلك لم يبدأ بتعبير الرؤيا. بل بدأ بالدعوة إلى الله.
قال تعالى:﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾— [يوسف: 39] وهنا تتجلى أولوية العقيدة في حياة الأنبياء، لقد كان الرجلان يسألان عن حلم. أما يوسف عليه السلام، فكان يرى أن حاجتهما الحقيقية ليست معرفة ما سيحدث غدًا، وإنما معرفة من يُعبد اليوم.
كان يعلم أن الإنسان قد يعرف مستقبله، لكنه إن جهل ربه فلن ينجو. ولذلك قدَّم أعظم قضية على أقرب سؤال. وهذه هي طريقة الأنبياء جميعًا. فلم يبدأ نوح عليه السلام بإصلاح المجتمع قبل إصلاح التوحيد.
ولم يبدأ هود وصالح وشعيب عليهم السلام بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، بل كانت أول كلماتهم:﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ لأن العقيدة ليست بابًا من أبواب الدين، بل هي الأساس الذي يقوم عليه الدين كله. فإذا صلح الأصل، أمكن أن تصلح الفروع. وإذا فسد الأصل، لم تنفع الأعمال مهما كثرت.
ثم واصل فقال:﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾—[يوسف: 40] فأبطل عبادة غير الله، وبيّن أن تلك الآلهة ليست إلا أسماء اخترعها الناس، لا حقيقة لها، ولا برهان من الله عليها.
ثم قرر أصل الأصول بقوله:﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. أي أن حق التشريع والأمر والعبادة والطاعة المطلقة لله وحده، لأنه الخالق المالك المدبر. ثم لخّص الدين كله في جملة واحدة:﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. فكأن يوسف عليه السلام يقول: قبل أن أحدثكما عن تأويل رؤياكما، أريد أن أحدثكما عن الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها.
:﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: 41] ففسّر الرؤيا كما علّمه الله. سيخرج أحدهما ليعود إلى خدمة الملك وسقيه، أما الآخر فسيُقتل ويُصلب، حتى تأكل الطير من رأسه.
ولم يكن ذلك مجرد ظن أو تخمين، بل علمًا أكرمه الله به، ولذلك ختم بقوله:﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. ثم مضت الأيام، ووقع كل شيء كما أخبر. 6. الخروج: حين ترفض النجاة الناقصة والآن..تأتي الفرصة! ومرت السنوات.
خرج أحد الفتيين من السجن كما أخبر يوسف عليه السلام، وعاد إلى خدمة الملك، أما يوسف فبقي في السجن، حتى جاءت اللحظة التي غيّرت مجرى الأحداث كلها. رأى ملك مصر رؤيا حيّرت كبار رجال دولته، فلم يستطع أحد أن يفسرها تفسيرًا صحيحًا.
وحينها تذكّر ساقي الملك ذلك السجين الذي فسّر له رؤياه قبل سنوات بدقة عجيبة، فعلم أن الرجل الذي يبحث عنه الجميع لا يزال خلف القضبان. فذهب إليه يسأله، ففسّر يوسف الرؤيا، وأخبرهم بما سيأتي على البلاد من سبع سنوات خصب، يعقبها سبع سنوات جدب، ثم سنة يأتي فيها الفرج، ووضع لهم خطة عملية لإدارة الأزمة قبل وقوعها.
فلما سمع الملك هذا العلم والحكمة، قال فورًا:﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: 50] لقد جاءت أخيرًا فرصة الحرية. باب السجن مفتوح. ورسول الملك واقف يدعوه إلى الخروج. ولو كان كثير من الناس مكان يوسف، لخرجوا دون أن يلتفتوا إلى شيء آخر. لكن المفاجأة أن يوسف عليه السلام رفض أن يخرج.
قال تعالى:﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 50] لم يكن رفضًا للحرية، ولم يكن تكبرًا على الملك. بل كان طلبًا للعدالة.
لقد دخل السجن مظلومًا، بعد أن اتُّهم ظلمًا بمحاولة الاعتداء على امرأة العزيز، مع أنه هو الذي استعصم وفرَّ منها.
ثم جُمعت نسوة المدينة من قبل امرأة العزيز، فلما رأين يوسف انبهرن بجماله حتى جرحن أيديهن بالسكاكين دون أن يشعرن، وهناك اعترفت امرأة العزيز أمامهن أنه هو الذي رفضها، وأنها هي التي راودته عن نفسه، ومع ذلك انتهى الأمر بسجنه حفاظًا على سمعة أصحاب النفوذ. ولهذا لم يرض يوسف أن يخرج وكأن التهمة كانت صحيحة ثم صدر عنه عفو.
كان يريد أن تظهر الحقيقة أولًا، لأن الحرية وحدها لا تكفي إذا بقيت السمعة ملوثة. وكان يعلم أن النبي لا يحمل رسالة الله بين الناس وهو موضع ريبة واتهام. لذلك طلب إعادة التحقيق، ولم يطلب الانتقام. ولم يذكر امرأة العزيز بالاسم. بل قال بأدب:﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ وكأنه يطلب كشف الحقيقة دون تشهير بأحد.
فاستجاب الملك، وجمع النساء، وسألهن: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: 51] وهنا جاءت الشهادة التي انتظرها يوسف سنوات طويلة.
اعترفت جميع النسوة ببراءته. ثم خرج الاعتراف من صاحبة القضية نفسها. ﴿الآن حصحص الحق﴾. أي الآن ظهر الحق ظهورًا كاملًا لا يمكن إخفاؤه. ثم قالت بكل وضوح:﴿أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يا لها من لحظة عظيمة. الكلمة التي اتُّهم بها يوسف قديمًا، أصبحت صاحبة الاتهام نفسها تنقضها بلسانها.
وهكذا يُعلِّمنا القرآن أن الله قد يؤخر إظهار الحق، لكنه لا يضيعه. وقد يطول انتظار المظلوم، لكن حين يأتي الفرج، لا يخرجه الله من محنته فقط، بل يخرجه مرفوع الرأس، ظاهر البراءة، لتكون الحقيقة أوضح مما لو ظهرت من أول يوم.
لقد خرج يوسف من السجن، لا باعتباره سجينًا أُفرج عنه، بل رجلًا ثبتت براءته أمام الجميع، وهيأه الله بعد ذلك ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، لم يكن السجن إلا طريقًا إليها.
7. التمكين: حين تصل… دون أن تتغير بعد أن ظهرت براءة يوسف عليه السلام أمام الجميع، لم يعد الملك ينظر إليه على أنه مجرد رجل بارئ من تهمة، بل رأى فيه عقلًا استثنائيًا، وحكمةً نادرة، وأمانةً لا تتكرر. فقد رأى تفسيرًا دقيقًا للرؤيا، ورأى معه خطة اقتصادية متكاملة لإنقاذ البلاد من كارثة كانت تقترب.
لم يكتف يوسف بتفسير الحلم، بل قدّم حلًّا عمليًا قبل أن تقع الأزمة. وهنا أدرك الملك أن هذا الرجل لا يصلح أن يكون خارج السجن فقط، بل يصلح أن يكون قريبًا من مركز القرار.
قال تعالى:﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾—[يوسف: 54] ﴿أستخلصه لنفسي﴾؛ أي أجعله من خاصتي والمقرَّبين إليّ. ثم لما كلّمه الملك بنفسه، ازداد يقينًا بما سمع عنه. فلم يمنحه وظيفة عادية، بل قال له:﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.
"مكين"؛ أي صاحب مكانة وسلطة ونفوذ. و"أمين"؛ أي موضع ثقة، يُؤتمن على أعظم المسؤوليات. إنها شهادة من ملكٍ لرجلٍ كان قبل أيام سجينًا. وليس هذا تحولًا صنعه البشر، بل هو من تدبير الله. فالذي كان يُقاد بالأمس إلى السجن مقيدًا، أصبح اليوم يدخل على الملك مكرمًا. والذي كان يُتهم ظلمًا، صار أهل السلطة يشهدون له بالأمانة.
وهنا جاءت لحظة قد يتساءل عنها بعض الناس. قال يوسف عليه السلام:﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55] قد يبدو لأول وهلة أن يوسف طلب المنصب لنفسه. لكن القرآن يبين الدافع بوضوح. لم يقل: لأني أستحق. ولم يقل: لأني أفضل من غيري. بل ذكر سببين موضوعيين:﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: أنا أحفظ الأموال والحقوق، فلا أخون ولا أفرط. وأنا عليم بما يحتاج إليه هذا العمل، أملك الخبرة والتدبير اللازمين لإدارته. إنها معادلة المسؤولية : الأمانة والكفاءة. فلا تكفي الأمانة وحدها إذا غابت القدرة، ولا تكفي الخبرة إذا غابت الأمانة.
وقد طلب يوسف هذا المنصب لأنه علم أن البلاد مقبلة على سبع سنوات من المجاعة، وأن سوء الإدارة قد يؤدي إلى هلاك أعداد هائلة من الناس. فكان طلبه للمسؤولية من باب القيام بالواجب، لا من باب طلب الجاه أو حب السلطة. لقد رأى مصلحة أمة كاملة، فتقدم لخدمتها. ولذلك استجاب الله لهذا الطريق الذي سلكه.
قال تعالى:﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾— [يوسف: 56] هكذا انتهت رحلة السجين، لكنها لم تنتهِ عند الحرية. بل انتهت بالتمكين. فالذي خرج من البئر عبدًا يباع ويشترى، أصبح يتصرف في خزائن مصر.
والذي عاش سنوات خلف القضبان، صار مسؤولًا عن إدارة اقتصاد دولة كاملة، ووضع الخطط التي حفظ الله بها البلاد من المجاعة. ولم يكن هذا التمكين مكافأة على الذكاء وحده، ولا على حسن الإدارة وحدها، بل كان ثمرة سنوات طويلة من الإحسان. أحسن وهو طفل بار بوالديه. وأحسن وهو عبد في بيت العزيز. وأحسن حين راودته امرأة العزيز فاختار طاعة الله.
وأحسن وهو مظلوم في السجن. وأحسن في دعوته إلى التوحيد. وأحسن في علمه وإدارته. فلما اكتملت رحلة الإحسان، جاء وعد الله:﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. إنها قاعدة قرآنية لا تخص يوسف وحده. فقد يتأخر الجزاء، وقد يطول طريق الابتلاء، لكن الإحسان لا يضيع عند الله أبدًا.
8. المواجهة: حين تأتيك فرصة الانتقام… فتختار شيئًا أصعب ومرت سنوات القحط كما أخبر يوسف عليه السلام. وجاء الناس من البلدان المجاورة يطلبون الطعام، وكان من بينهم رجالٌ يعرفهم يوسف جيدًا. إنهم إخوته. الإخوة الذين ألقوه في البئر، وباعوه بثمن قليل، وكانوا سببًا في رحلة طويلة من الفراق والابتلاء.
قال تعالى:﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾— [يوسف: 58] إنها آية قصيرة، لكنها تحمل مشهدًا بالغ التأثير. ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾. عرف وجوههم فورًا، وعرف الأصوات التي سمعها عند البئر. عرف الأشخاص الذين تركوه وحيدًا في ظلمات الجب. أما هم فلم يعرفوه.
لقد تركوه طفلًا صغيرًا، وعادوا فوجدوا رجلًا عزيزًا على خزائن مصر، يتحدث بلسان أهلها، تحيط به هيبة المنصب، ولم يخطر ببالهم قط أن هذا الحاكم هو أخوهم الذي ظنوا أن قصته انتهت منذ سنين. وهنا يقف القارئ أمام لحظة فاصلة. كل شيء أصبح بيد يوسف. منصب. وسلطة. وقدرة.
والأشخاص الذين ظلموه يقفون أمامه محتاجين إليه، إنها اللحظة التي ينتظرها كثير من الناس ليقتصوا ممن ظلمهم. لكن يوسف لم يكن يصنعه الحقد، بل كانت تصنعه النبوة. وبعد أن هيأ الله الأسباب، وجمع الأسرة، وجاء الوقت المناسب لكشف الحقيقة، قال لهم:﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾— [يوسف: 89] لاحظ دقة التعبير.
لم يبدأ بالتوبيخ، ولم يعدد جرائمهم. ولم يقل: "أما تذكرون كيف ألقيتموني في البئر؟" بل ذكّرهم بالفعل، ثم فتح لهم باب الاعتذار بقوله:﴿إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾. وكأن في العبارة تخفيفًا قبل أن يعتذروا. عندها بدأت الحقيقة تتكشف.
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۚ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾—[يوسف: 90] لم يقل: "أنا الذي ألقيتموه في البئر." ولم يقل: "أنا الذي سجنتموه بسببكم." بل بدأ بالمنة الإلهية: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾.
فلم يجعل محور الحديث نفسه، وإنما فضل الله. ثم لخّص رحلة عمر كاملة في كلمات قليلة: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. التقوى حين راودته امرأة العزيز. والصبر في البئر. والصبر في الرق. والصبر في السجن. والصبر على فراق أبيه. كل ذلك لم يذهب هباءً.
ثم جاء الاعتراف الذي طال انتظاره: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾—[يوسف: 91] اعترفوا بخطئهم دون تبرير. واعترفوا بأن ما وصل إليه يوسف لم يكن بالحيلة، ولا بالقوة، وإنما باختيار الله وفضله. وهنا بلغ يوسف عليه السلام قمة العظمة.
قال تعالى:﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾—-[يوسف: 92] ﴿لا تثريب عليكم﴾. أي لا لوم، ولا تعنيف، ولا مؤاخذة. لم يكتفِ بإسقاط العقوبة. بل أسقط اللوم أيضًا. ثم لم يقف عند العفو الشخصي، بل دعا لهم:﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فجمع لهم بين عفو المخلوق، ورجاء مغفرة الخالق.
9. النهاية: حين تفهم كل شيء… بعد أن ينتهي ثم جاءت اللحظة… اللحظة التي بدأت برؤيا رآها طفل صغير، وانتهت بعد سنوات طويلة من الابتلاء، والفراق، والظلم، والسجن، والتمكين. دخل يعقوب عليه السلام وأهله على يوسف في مصر، بعد أن جمع الله شمل الأسرة مرة أخرى.
قال تعالى:﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100] ها هي الرؤيا تتحقق كما رآها يوسف وهو طفل.
أحد عشر كوكبًا، والشمس، والقمر. إخوته، وأبوه، ومن معه من أهله، يجتمعون أمامه في مشهد التكريم الذي أخبر الله به قبل عشرات السنين. ثم قال يوسف لأبيه:﴿هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. لم يقل: تحققت أحلامي، ولم يقل: لقد وصلت إلى ما أريد. بل نسب كل شيء إلى الله. فالرؤيا من الله. وتحقيقها من الله. والتمكين من الله.
ولم يقل: بعد أن ظلمني إخوتي، وألقوني في الجب. بل قال:﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾. كأنه يطوي صفحة الماضي، ولا يفتح جراحًا أغلقها الله. لا يعيد توزيع الاتهامات، ولا يذكّرهم بخطئهم. بل ينسب الإفساد إلى فِعل الشيطان، مع بقاء مسؤولية الإنسان عن فعله، في أسمى صور العفو وصفاء القلب.
ثم تأتي الجملة التي تختصر السورة كلها. بل تختصر حياة كل مؤمن: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾ "اللطيف" من أسماء الله الحسنى، ومن معانيه أنه سبحانه يدبر أمور عباده برفق وخفاء، ويُجري أقداره بحكمة قد لا يدركونها في حينها، حتى إذا اكتملت الصورة علموا أن ما ظنوه انكسارًا كان بابًا إلى الخير، فكل خطوة كانت تبدو في ظاهرها خسارة.
لكنها في علم الله كانت إعدادًا.
الخلاصة: هذه قصة كل إنسان يعيش على هذه الأرض. فيها الخيانة، والظلم، والإغراء، والفقد، والانتظار، والتمكين، والعفو. وفي كل مرحلة، كان يوسف عليه السلام أمام اختيارٍ جديد. هل يستسلم للحقد؟ أم يعفو؟ هل يستجيب للشهوة؟ أم يعفّ؟ هل ييأس من السجن؟ أم يواصل دعوته؟ هل يغتر بالسلطة؟ أم يستخدمها في خدمة الناس؟
فما الذي كان يملكه يوسف في داخله، حتى بقي ثابتًا مهما تبدلت الظروف؟